قصص واقعية عشتها وحديث الذكريات
جيمس ديكيستون (نيل) الجار الطيب
.
في يوم من أيام الصيف التقيته في المصعد، ابتسم لي ولأطفالي، فبادلناه الابتسامة فحيَّانا، فرددنا عليه التحية، ثم طأطأ رأسه فقد كان رجلا شديد الخجل. ثم ساد صمت قليل، وفُتح باب المصعد وتفاجأت بأنه يسكن في نفس الطابق الثالث، فتوقفت ليخرج قبلنا، فخرج مبتسما وهو يشكرنا، ثم أخذنا اتجاهنا يمينا وأخذ هو يسارا بضع خطوات عن المصعد ودخل شقته. كان أول لقاء بيننا بعد زمن قصير من انتقالنا إلى العمارة التي تسكن بين غابة صغيرة واجهتها على الشارع الرئيسي وتحدها من الغرب مقبرة للنصارى صغيرة. تكرر اللقاء داخل العمارة في البهو، وكانت ابتسامتة تتسع أكثر مع كل لقاء جديد. كنت أشعر بأنه يسترق النظر إليَّ أكثر من المعتاد حتى أوقفني يوما وبدأ الحديث والسؤال عن اسمي وعملي وبلدي وأطفالي....، شعرت باهتمامه الزائد وكأنه يعرض عليَّ فتح صداقة و تعارف..فبادلته الشعور. تطورت العلاقة شيئا فشيئا، وبدأنا نجلس معا في غرفة الجلوس المخصصة للسكان للقراءة واستقبال الضيوف والتي كنت أدرس فيها وأقضي فيها بعض الوقت أحيانا لقراءة مجلتي المفضلة في الشباب مجلة "المختار" التي لايوجد عدد ينزل إلى ليبيا إلا وقرأته، ولكن في هذه الغرفة كانت النسخة الإنجليزية الأصلية " Reader Digest".
.
أصبح "نيل" الرجل الثمانيني صديقي المفضل في العمارة وأصبحت أنا كذلك بالنسبة له. تحدثنا في مواضيع كثيرة جدا، كان يحب سؤالي وهكذا يبدأ حديثه عن بلدي ليبيا ومهنتي ووالدي وأطفالي وعملي...، بل يهتم بتفاصيل يومي ويسألني: هل تعرضت إلى متاعب اليوم؟!...سألني كثيرا عن الإسلام وعن عاداتنا وتقاليدنا ومفاهيمنا. كان واسع الثقافة موفور الصحة والعافية، يصعد كل يوم 12 طابقا على الدرج دفعة واحدة وكانت هذه رياضته المعتادة المفضلة. لايدخن، قليل الأكل، تقاعد منذ زمن، وله ثلاث بنات متزوجات ويعيش مع زوجته ويقضي جل وقته بين بناته وأحفاده والرياضة.
.
طلب مني يوما أن أسال والدي رحمه الله سؤالا غريبا وألح في ذلك: اسأل والدك هل يقبل أن أكون أنا والدك أيضا الأجنبي؟! ظننته يمزح، ولكنه كرر الطلب مرارا وبإلحاح ، فسألت الوالد رحمه الله فضحك وتعجب من طلبه الذي يدل على محبة صادقة منه. كان يطلب ويلح أن أقصده في أي خدمة لي ولبيتي، حتى كان هو من أرجع إليه في أي أوراق أو وثائق رسمية وكأنه والدي فعلا!!
.
لدرجة كان يحفظ تاريخ ميلادي وميلاد أطفالي ويسأل عن والدي رحمه الله ووالدتي حفظها الله باستمرار. فاجأني يوما باتصال بعد رجوعي من المستشفى، وقال لي إنه يوم جميل ...فظننته يتحدث عن الطقس، ولكنه قال إنه يوم مهم هل نسيت؟ قلت: للأسف لا أذكر!! فضحك وقال: إنه يوم ميلادك!! وهكذا كان يتصل بي كل عام يوم ميلادي سبع سنوات.... وكان يتصل أيضا كل يوم ميلاد أحد أطفالي...
.
استمرت العلاقة لسنوات طويلة حتى بعد انتقالي من العمارة إلى سكن جديد، وكنت أتعهده بالزيارة وإذا تأخرت يتصل بي ويقول لي: يا بني وحبيبي اشتقت لك، فأسارع إلى لقائه ويأخذني بالأحضان ويبكي وكأنه يحتضن ابنه ويقول لي: أرجوك لا تبتعد عني فأنا لا أطيق فراقك...
.
أهديته مرة بعد رجوعي من زيارة إلى ليبيا تحفا على هيئة صحون منقوشة باليد من ليبيا ومشغولات يدوية من مدينة مرزق ففرح بها جدا. وأهديته القرءان وبعض التسجيلات ففرح بها.
.
سافرت مرة في رحلة بعيدة لاستكمال تخصصي الدقيق في الطب النووي، ولما أردت العودة إلى المدينة وجدت صعوبة في البحث عن بيت فساعدني وقال لي: اطلب مني ماتشاء ، فطلبت منه أن يلتقي بصاحب البيت ويصفه لي ففعل وفعلا وجدت البيت كما وصفه وجهز لي المفتاح.
.
وفي يوم من الأيام وفي طريق رجوعي إلى البيت اتصلت به للسلام، فردت ابنته الكبرى على غير العادة فتوجست، وقالت لي: أنت صديق وحبيب والدي عبدالسلام؟! قلت: نعم وأين هو؟! قالت وهي تبكي: توفي اليوم فجأة بعد صداع أصابه وانفجار في المخ وكانت أول مرة وآخر مرة يدخل فيها المستشفى في حياته. فصدمت ولم أتمالك نفسي ودموعي واضطرت لإيقاف سيارتي، حتى تأثرت ابنته وأخذت تهدئ من روعي، وقالت: كان والدي يحبك كثيرا ودائم الحديث عنك....
.
فارق الحياة عن عمر 92 عاما ولازالت أذكره ولايغيب عن ذاكرتي. لازالت أذكره باستمرار بعد 8 سنوات من رحيله، وأتألم ألما شديدا لأنه لم يسلم أو على الأقل لم يعلن ذلك لي.
.
د. عبدالسلام مصطفى التريكي
.
اتركوا تعليق على المقال: ننتظر تعليقاتكم....

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق